ابن ميثم البحراني

263

شرح نهج البلاغة

الَّذين شربتم بصفوكم كدرهم فاستعار لفظ الصفو وهو خالص الشراب إمّا لخلاص دينهم وإيمانهم أو لخالص دنياهم وصافيها ، ولفظ الكدر للنفاق وساير الرذائل النفسانيّة الَّتي تخالط إيمان المرء كالحسد ونحوه فتكدّره وتكدّر بسبب ذلك ما صفا من دنياه لسبب ثوران الفتنة عنها ، ورشّح بذكر الشرب . والمعنى أنّكم مزجتم بإيمانكم نفاقهم فشربتموه به كما يمزج بالماء الشراب فيساغ به . وإنّما قال : شربتم بصفوكم كدرهم ، ولم يقل : بكدرهم صفوكم لأنّ غرضه أن يقرن عليهم شرب الكدر بالقصد الأوّل ولا يتمّ ذلك الغرض إلَّا بعبارته عليه السّلام . والباء هنا للمصاحبة ، وكذلك قوله : وخلطتم بصحّتكم مرضهم . وأراد بمرضهم نفاقهم وكبرهم وسائر الرذائل النفسانيّة فيهم ، وبالصحّة سلامة نفوس المؤمنين بايمانهم عن شوب تلك الرذائل . ووبّخهم بتخليطهم ايمانهم بها ، وكذلك قوله : وأدخلتم في حقّكم باطلهم . وأراد بالحقّ الايمان والجدّ في العمل الصالح أو ما يستحقّونه من الملك والخلافة في الأرض ، وبباطل أولئك الكذب والنفاق واللعب وسائر الرذائل أو ما لا يستحقّ لهم من أمر الدنيا ، وذلك الخلط والإدخال بسبب تخاذلهم عن نصرته عليه السّلام وعدم اجتماعهم على ما ينبغي لهم من طاعته . ثمّ عاد إلى وصف أولئك الكبراء بأوصاف : الأوّل : استعار لهم لفظ الأساس باعتبار كونهم أصلا للفسوق يقوم بهم كما يقوم البناء بأساسه . الثاني : لفظ الأحلاس باعتبار ملازمتهم للعقوق وقطع الرحم كما يلازم حلس البعير ظهره ، وروى : أسئاس - بسكون السين - بوزن أحلاس ، وهو جمع أسّ كحمل وأحمال وهو الأُسّ . الثالث : كون إبليس اتّخذهم مطايا ضلال . فاستعار لهم لفظ المطايا باعتبار كونهم أسبابا موصلة إلى الضلال لمن اتّبعهم واعتمد أقوالهم نيابة عن إبليس ، وكانوا في ذلك المطايا الَّتي يركبها الناس ويقودها في طرق الضلال . الرابع : كونهم جندا بهم يصول على الناس ، وذلك باعتبار كونهم جاذبين للخلق إلى طريقته داعين لهم إلى الهلاك الأبد من جهته .